الجاحظ
106
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وقد رأينا اللّه عز وجل ردد ذكر قصة موسى وهود ، وهارون وشعيب ، وإبراهيم ولوط ، وعاد وثمود . وكذلك ذكر الجنة والنار وأمور كثيرة ، لأنه خاطب جميع الأمم من العرب وأصناف العجم ، وأكثرهم غبي غافل ، أو معاند مشغول الفكر ساهي القلب . وأما أحاديث القصص والرقة فإني لم أر أحدا يعيب ذلك . وما سمعنا بأحد من الخطباء كان يرى إعادة بعض الألفاظ وترداد المعاني عيّا ، إلا ما كان من النخار بن أوس العذري ، فإنه كان إذا تكلم في الحمالات « 1 » وفي الصفح والاحتمال ، وصلاح ذات البين ، وتخويف الفريقين من التفاني والبوار - كان ربما ردد الكلام عن طريق التهويل والتخويف ، وربما حمى فنخر . [ جعفر بن يحيى ] وقال ثمامة بن أشرس « 2 » : كان جعفر بن يحيى أنطق الناس ، قد جمع الهدوء والتمهل ، والجزالة والحلاوة ، وافهاما يغنيه عن الإعادة . ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإعادة . وقال مرة : ما رأيت أحدا كان لا يتحبّس ولا يتوقّف ، ولا يتلجلج ولا يتنحنح ، ولا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعد ، ولا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعصّى عليه طلبه ، أشد اقتدارا ، ولا أقلّ تكلفا ، من جعفر بن يحيى . وقال ثمامة : قلت لجعفر بن يحيى : ما البيان ؟ قال : أن يكون الاسم يحيط بمعناك ، ويجلي عن مغزاك ، وتخرجه عن الشركة ، ولا تستعين عليه بالفكرة . والذي لا بد له منه ، أن يكون سليما من التكلف ، بعيدا من الصنعة ، بريئا من التعقد ، غنيا عن التأويل .
--> ( 1 ) الحمالة : الدية . ( 2 ) ثمامة بن أشرس النميري ( 231 ه ) شيخ الطبقة السابعة في المعتزلة كان له دالة على المأمون الذي جعله مستشاره . قال إن الإنسان قادر على أعماله .